آخر قطار إلى كاواساكي


 مقدمة

في ليالي المدن الكبيرة، هناك دائمًا شيء غير مرئي يتحرك بين التفاصيل الصغيرة… شيء لا يلاحظه إلا من تأخر كثيرًا. هذه القصة ليست عن شبحٍ عابر، بل عن محطة… لا يفترض أن توجد.


الوصول إلى طوكيو

لم يكن راشد يحب اليابان كثيرًا، لكنه كان يحب الهدوء الذي يسبق الغريب.

جاء إلى طوكيو في شتاءٍ بارد للعمل لمدة أسبوعين فقط، ثم مدّد إقامته أسبوعًا آخر بعد أن تأخرت أوراق الشركة. كان الفندق صغيرًا، في حيّ هادئ قرب محطة قديمة، وغرفته تطل على زقاق ضيق لا يمر فيه أحد بعد منتصف الليل.


الليلة السابعة عشرة

في الليلة السابعة عشرة، انتهى من العمل متأخرًا. المطر كان خفيفًا، والهواء باردًا إلى درجة تجعل الأرصفة تبدو وكأنها ملساء من الزجاج. نزل من المترو في الساعة 11:48 مساءً، وكانت المحطة شبه خالية، إلا من رجل عجوز نائم على مقعد، وامرأة ترتدي معطفًا رماديًا تقف قرب آلة البيع، تحدق في شاشة هاتفها بلا حركة.

كان كل شيء عاديًا، إلى أن سمع النداء الداخلي للمحطة:

“القطار الأخير إلى كاواساكي سيتأخر عشر دقائق.”


اسم لم يكن موجودًا

لم يكن راشد ذاهبًا إلى كاواساكي أصلًا، لكنه لاحظ شيئًا غريبًا:

على اللوحة الإلكترونية، ظهرت فجأة محطة لم تكن موجودة في الجدول الذي يعرفه: محطة سوميادا.

لم يسمع بهذا الاسم من قبل.

اقترب من عامل المحطة وسأله بالإنجليزية ثم باليابانية المكسّرة التي تعلمها في الشركة. العامل، وهو رجل في الخمسين بوجه مرهق، نظر إليه نظرة قصيرة ثم قال: “لا يوجد قطار يتوقف هناك الليلة.”

ثم التفت إلى الجهة الأخرى، وكأنه انتهى من الحديث.


القطار الصامت

ظن راشد أن الأمر مجرد خطأ في اللوحة. صعد إلى الرصيف، وانتظر مع ثلاثة أشخاص فقط. بعد دقائق، دخل القطار بهدوء، أبوابه فتحت، وصوت المكيّف البارد اندفع من الداخل. كان القطار شبه فارغ. جلس قرب النافذة. بجواره مباشرة، كانت هناك مقعدتان فارغتان، ثم امرأة في الثلاثين تقريبًا، تحمل حقيبة سوداء وتضع كمامة طبية، تحدق في الأرض.

أغلق الباب، وتحرك القطار.

مرّت أول محطتين طبيعيّتين. ثم عند المحطة الثالثة، توقّف القطار بشكل مفاجئ في نفق مظلم. انطفأت الإعلانات الصوتية، وبقيت الأضواء البيضاء مضاءة بنصف قوتها. لم يتحرك أحد. لا أحد في القطار قال كلمة واحدة.


الرسالة

بعد نحو دقيقة، بدأ الهاتف يهتز في جيبه. لم يكن هناك شبكة، ومع ذلك ظهرت رسالة واحدة من رقم غير مسجل:

لا تنزل إذا فتح الباب.

تجمد. رفع رأسه ببطء إلى انعكاس الزجاج.

المرأة التي بجواره لم تكن تنظر إلى الأرض.

كانت تنظر إليه مباشرة في الانعكاس.

التفت فورًا. المقعد بجواره كان فارغًا.


الطرقات الثلاث

تسارع نبضه، ونظر حوله. في مقدمة العربة، كان رجلان قد اختفيا أيضًا. لم يبق إلا هو، والرجل العجوز في آخر العربة، نائمًا كما هو، ورأسه متدلي على صدره.

ثم انطفأت الأنوار للحظة.

وفي تلك اللحظة بالذات، سمع صوتًا خافتًا جدًا يأتي من الباب الخارجي:

طرق... طرق... طرق...

ثلاث طرقات بطيئة، من الخارج، داخل النفق.

تجمد الدم في عروقه.

لم يكن من المفترض أن يكون هناك أحد خارج القطار.


محطة سوميادا

عاد الضوء. ثم جاء صوت الإعلان الآلي، لكن بشكل مشوّه، كأن المسجل قديم أو مكسور:

“المحطة التالية... سوميادا.”

ارتجف القطار كله، ثم فتح باب العربة في منتصف النفق.

لم ينفتح على رصيف.

فقط على جدار أسود رطب يلمع بالماء.

وفي الجهة المقابلة للباب، ظهر وجه.

كان وجه امرأة، شاحبًا، مبللًا، شعرها ملتصقًا بجبينها، وعيناها مفتوحتين على اتساع مرعب. لم تدخل من الباب، بل بقيت واقفة خارج القطار، تنظر إلى الداخل وكأنها تبحث عن شخص تعرفه.


الاختفاء

أغلق راشد عينيه بقوة. سمع صرخة مكتومة من آخر العربة، ثم صوت حركة سريعة، ثم صمت.

فتح عينيه. الرجل العجوز لم يعد في مكانه.

وبدلًا منه، كانت هناك حقيبة سوداء.

الحقيبة نفسها التي كانت مع المرأة.

بدأت الركبتان ترتجفان. لم يفكر. قام بسرعة، وركض نحو الباب الذي يفصل العربات. ضغط الزر، لكنه لم يفتح. ضغط مرة أخرى. لا شيء.


الهمسة

شعر راشد بشيء خلفه.

لمسٌ خفيف على كتفه، تجمد.

كان اللمس باردًا بشكل غير طبيعي، كأن اليد ليست يدًا بشرية. التفت ببطء شديد.

المرأة ذات الكمامة كانت خلفه تمامًا.

لكن هذه المرة، كانت أقرب، ووجهها ليس في مستوى وجهه، بل منخفضًا قليلًا بطريقة غير طبيعية، كأن عنقها أطول من اللازم.

همست بصوت لا يكاد يسمع: “أنت شاهدت اللوحة.”

ثم ابتسمت.


الممر الأبيض

لم يرَ أسنانها جيدًا، لأن القطار اهتز فجأة بقوة، وفتح الباب الخارجي مرة ثانية.

ظهر هذه المرة ممرّ ضيق من الضوء الأبيض، ليس نفقًا، بل شيء يشبه ممر مستشفى قديم. من بعيد، كان هناك صوت خطوات على بلاط مبلل. خطوات كثيرة، تقترب ببطء.

في تلك اللحظة، تذكّر راشد شيئًا قرأه قبل سنوات في مدونة سفر يابانية قديمة:

بعض المحطات المهجورة، حين تُكتب أسماؤها على اللوحات الإلكترونية بطريق الخطأ، لا تكون خطأً تقنيًا. أحيانًا تكون “دعوة”.


الرصيف الأخير

لم يصدق وقتها. لكنه صدّق الآن.

عاد إلى المقعد بسرعة، ورفع هاتفه ليلتقط صورة، لكن الشاشة كانت سوداء تمامًا. ثم ظهر عليها، للحظة واحدة، وجهه هو... إلا أن عينيه كانتا مغلقتين.

سمع صوتًا من مكبرات القطار، هذه المرة بصوت بشري واضح جدًا، صوت عامل المحطة نفسه الذي رآه قبل قليل:

“لا تنظر إلى المقاعد الفارغة.”

رفع رأسه.

كان القطار قد توقف تمامًا.

والباب أمامه مفتوح.

خارج الباب، كان هناك رصيف قديم مغطى بالضباب. لوحة المحطة مضاءة بلون أصفر باهت.

سوميادا.

على الرصيف، وقف عدد من الأشخاص بلا حركة. رجال ونساء بملابس قديمة، يحدقون في القطار من غير أن يرمشوا. لم تكن وجوههم واضحة. فقط شيء واحد كان واضحًا:

كل واحد منهم كان يحمل حقيبة سوداء.

وآخرهم... كانت المرأة التي بجواره.

كانت الآن واقفة على الرصيف، وتنظر إليه من الخارج، وتلوّح له ببطء شديد.


النهاية

في الصباح، عثر موظفو المترو على القطار متوقفًا في المسار الأخير دون ركاب.

وجدوا مقعدًا مبللًا بالماء قرب النافذة، وهاتفًا محطّم الشاشة، وتذكرة سفر موضوعة بعناية على المقعد، مكتوبًا عليها اسم راشد بخط يدويّ غير واضح.

أما راشد، فلم يظهر في أي كاميرا.

ولا في سجلّ الخروج من المحطة.

ولا في سجلات الفندق.


الرسالة الأخيرة

لكن بعد أسبوعين، تلقّى زميله في الشركة بريدًا إلكترونيًا من حسابه الشخصي، عنوانه فقط:

وصلتُ إلى سوميادا. لا أحد ينزل هنا.


خاتمة

ومنذ ذلك اليوم، صار بعض موظفي المحطة القديمة في طوكيو يتجنبون العمل في آخر نوبة ليلية.

لأنهم إذا رأوا لوحة إلكترونية تومض باسم محطة لا يعرفونها...

يطأطئون رؤوسهم فورًا، ويواصلون السير دون أن يقرأوها.

لأن من يقرأ الاسم مرة واحدة، قد يجد نفسه في القطار الأخير.

وربما، هذه المرة، لا يعود إلى أي محطة على الإطلاق.


إقرأ أيضاً: صدى النهاية | الفصل الثالث والأخير من مانغا كايرو – المعركة الحاسمة ونهاية الصمت

تعليقات

قصص نالت إعجاب المتابعين