لغز القرية التي يبتلعها الضباب

 



في هذا العالم توجد أماكن لا ترحب بالبشر، ومساحات لا تُحدد حدودها الخرائط بل تُخفيها أسرار تتجاوز قدرة العقل على الفهم.

تحكي هذه القصة عن شاب قاده فضوله إلى ما وراء المألوف، حيث تختلط الأزمنة، ويتحول الضباب إلى ستار يخفي وراءه مصيراً غامضاً لأرواح عالقة بين العوالم.

كان كريم مهندساً معمارياً في أوائل الثلاثينات، مولعاً باستكشاف المباني المهجورة وكشف تاريخها المنسي.
سمع ذات مرة عن منطقة جبلية نائية كانت تضم قرية مزدهرة قبل قرون، لكنها اختفت فجأة دون أي تفسير. قرر أن يخوض مغامرة لاكتشاف حقيقتها بنفسه.

مع اقتراب الغروب وصل إلى أطراف الجبل، حيث كان الضباب كثيفاً إلى حد أن الرؤية تكاد تنعدم، وبينما كان يبحث عن مكان يبيت فيه لمح ضوءاً خافتاً يتسلل بين الأشجار بدافع الفضول، تبعه حتى وجد نفسه أمام بوابة خشبية كبيرة تقود إلى قرية كاملة.

بدت القرية غريبة بشكل لافت، منازلها مصممة بأسلوب قديم ومميز شوارعها نظيفة ومضاءة، لكن الصمت كان سيد المكان. لا أصوات بشر، ولا حتى حركة حيوانات وكأن الحياة قد توقفت هناك.

اللقاء الغامض

عندما دخل كريم ساحة القرية ونادى، انفتح باب أحد البيوت وخرج رجل مسن يرتدي ملابس فاخرة من زمن بعيد رحب به ودعاه للدخول وتناول الطعام، لكن أثناء الجلوس لاحظ أدهم أن الرجل لا يأكل، بل يراقبه بنظرات ثابتة.

سأله عن سر اختفاء القرية، فأجابه بابتسامة غامضة:
“لسنا نحن من اختفى… بل العالم هو من ابتعد عنا. نحن فقط اخترنا الزمن الذي نعيش فيه.”

تسلل القلق إلى نفس كريم، خاصة عندما لمح أن انعكاس الرجل لا يظهر في المرآة خلفه، حاول إخفاء خوفه وطلب مكاناً للنوم، فقادَه الرجل إلى غرفة في الأعلى، محذراً إياه من فتح النافذة مهما سمع.

لكن مع حلول منتصف الليل، بدأت أصوات احتفال غريبة تتردد في الخارج، لم يستطع مقاومة فضوله، ففتح النافذة قليلاً ليصدم بما رأى.

كانت الساحة تعج بأشخاص يرتدون ملابس قديمة، لكن وجوههم بلا ملامح واضحة، يتحركون ويرقصون بصمت مخيف، وكأنهم أشباح لا تلامس الأرض.

في تلك اللحظة أدرك الحقيقة: هذه ليست قرية عادية، بل مكان تسكنه أرواح عالقة خارج الزمن.

حاول الهرب، لكن عندما فتح باب الغرفة وجد الرجل العجوز بانتظاره وعيناه تتوهجان بشكل مرعب أمسك به بقوة، وكانت يده حارقة كالجمر، وقال بصوت بارد:
“لقد رأيت ما لا يجب رؤيته… والآن، عليك أن تبقى معنا، نحن بحاجة لمن يعيد بناء ذكرياتنا.”

الهروب… أم البداية؟

اندفع كريم نحو النافذة وقفز منها، وبدأ يركض وسط الضباب بينما الأصوات تطارده. فجأة تعثر وسقط… ثم فقد وعيه.

عندما استيقظ مع الفجر، وجد نفسه وسط أنقاض قرية مهجورة بالكامل لا أثر لأي حياة فيها، حقيبته بجانبه لكنها مغطاة بالغبار، وكأنها بقيت هناك لسنوات.

عاد إلى مدينته وهو مشوش الفكر، غير قادر على تفسير ما حدث. لكن الصدمة الحقيقية جاءت لاحقاً، عندما نظر إلى المرآة…

لاحظ أن خصلة من شعره قد تحولت إلى اللون الأبيض، والأسوأ من ذلك، أنه وجد في جيبه قطعة نقدية ذهبية قديمة تحمل تاريخاً… لم يأتِ بعد.

حينها فقط أدرك أن تلك القرية ليست من الماضي كما ظن… بل ربما تنتظر ضحاياها من المستقبل.


تعليقات

المشاركات الشائعة