الليلة الأخيرة في فندق الأندلس
حين تصبح الأسرار أثقل من الحقيقة
خمسة وأربعون عامًا، ذاكرة كالفولاذ وعيون تقرأ ما بين السطور. أحاله الإرهاق إلى الشك بالجميع — حتى نفسه.
ابنة الضحية. تُخفي حداداً مزيفاً وراء حجاب الدموع. تُجيد فنّ الصمت بقدر إجادتها الكذب.
رجل أنيق يحمل ابتسامة دائمة وماضيًا مطمورًا. يعرف من يسكن الغرف أكثر مما يُقرّ.
حادّة الذكاء بارعة التحليل. وجدت في الجثة تفاصيل لم يُدرجها أحد في التقرير الرسمي.
رائحة البارود والياسمين
في الساعة الثالثة وسبع عشرة دقيقة من فجر الثلاثاء، حين يسقط الصمت على مدينة سواها كأثقل المعاطف، رنّ الهاتف في غرفة المحقق كمال الدين نصار ثلاث مرات قبل أن يمتد يده إليه دون أن يفتح عينيه. كان يعرف، بحاسّة تلك الساعات القاتلة، أن المكالمات التي تجيء بعد منتصف الليل لا تحمل أخباراً طيبة أبداً.
«فندق الأندلس. الطابق السادس. الغرفة ستة وستون.» صوت الرائد فارس كان خشنًا كحجر الصوان، قُطعت منه حروف بأكملها من فرط الإحراج. «مات رجل، يا سي كمال. ومات معه بعض الأسئلة التي كنّا نودّ طرحها عليه.»
أغلق كمال الهاتف ونظر إلى السقف. سليمان الحسيني — رجل الأعمال الذي بنى ثروته على أرض لم تكن له، والذي جمع من الأعداء عدداً يفوق ما جمعه من الأرباح — مات أخيرًا. والمسألة لم تكن هل مات مقتولًا، بل من أراح العالم منه أولًا.
وصل إلى الفندق في الرابعة إلا ربعًا. كانت لوبي فندق الأندلس — ذلك الصرح الأندلسي المُعاد بناؤه بمال خليجي وذوق أوروبي — شبه خالية. نخلتان اصطناعيتان ومرآة ضخمة وبوابة موصدة خلفها رجل يتظاهر بالعمل. إدوار مِشعل، مدير الفندق، كان يقف عند مكتب الاستقبال بمعطف مكوّيٍّ بعناية، كأنه كان ينتظر — لا كأنه أُيقظ.
«المحقق نصار.» مدّ يده بسرعة مريبة. «مأساة حقيقية. كان ضيفنا الدائم منذ سبع سنوات.»
«الغرفة مغلقة من الداخل؟» قاطعه كمال وهو يسير نحو المصعد.
«كانت. حتى فتحها موظف الليل بعد أن فشل في إيقاظه لتسليمه رسالة.»
«أي رسالة؟»
توقف إدوار لثانية واحدة. «لا أعرف. الموظف قال إنها وُضعت تحت الباب من الداخل.»
فرك كمال حاجبه. رسالة من الداخل. لا أحد يرسل رسالة إلى الخارج وهو ميت.
ما أخفته الجثة
كانت الدكتورة سوزان برهان تجثو بجوار الجسد حين دخل كمال. رأسها مائل، ونظاراتها مدفوعة للأعلى، وفي يدها الصغيرة مكبّر تمسكه كمن يمسك الحقيقة بالقوة. نظرت إليه، ثم عادت إلى الجثة.
«مات منذ نحو خمس ساعات. توقف القلب.» ثم، بعد صمت مقصود: «لكنّ قلبه كان سليمًا تمامًا وفق آخر فحص طبي أجراه قبل ثلاثة أسابيع.»
«سُمّ؟» سأل كمال وهو يتفحص الغرفة.
«شيء يُقلّد السكتة القلبية. نادر. مكلّف. ويحتاج إلى معرفة وصول للدم أو للشراب.» أشارت إلى كوب النبيذ المكسور. «حاول أن يلمسه، فوقع الكوب. ربما شعر بشيء ما في اللحظة الأخيرة.»
التقط كمال الرسالة بيد مقفّزة. كانت ورقة فندقية عادية، مطوية بعناية:
«الثمن دُفع. الديون سُدّدت. أما ليلى — فهي لا تعرف شيئًا. لا تؤذوها.»
كتابة مرتجفة، لكنها بخطّ يده. كتبها قبل أن يُحتضر. رجل يعرف أنه سيموت.
«أو رجل أُجبر على كتابتها.» صوّبت سوزان فكره بهدوء.
الوارثة التي لا تبكي
جاءت ليلى الحسيني في التاسعة صباحًا. ثلاثون عامًا من القسمات الحادة والصمت الأنيق، ترتدي أسودًا لم يكن جديدًا تمامًا — كأنها أعدّته مسبقًا. جلست أمام كمال في غرفة الاستجواب الصغيرة، يدها مستوية فوق الطاولة، لا ارتعاشة واحدة.
«أتقدّم بتعازيَّ.» قالها كمال بنبرة مجوّفة من المعنى.
«يمكنك الاحتفاظ بها.» ردّت. «والدي لم يكن إنسانًا يستحق الدموع. أعرف ذلك. أنتم تعرفون ذلك.»
«من كان يكرهه كفاية ليقتله؟»
ابتسمت ابتسامة فارغة. «القائمة أطول من ذراعك، محقق. ابدأ بشركائه القدامى. ثم عمّاله الذين لم يقبضوا. ثم الجيران الذين أُخذت أراضيهم.» توقفت. «وأنا.»
رفع كمال رأسه.
«نعم، أنا أيضًا. لكنّني لم أقتله.» أضافت بهدوء مُزعج. «لأنني كنت سأخسر الإرث إذا تورّطتُ. وأنا — خلافًا لأبي — أُحسن حساب المكسب والخسارة.»
قبل أن تغادر، سألها عن الرسالة. قرأتها ببطء، وللمرة الأولى — لأجزاء من الثانية فقط — لاح في عينيها شيء غير محسوب.
«ماذا ديون؟ لمن؟» سألها.
«لا أعرف.» قالتها ببطء شديد، كأن الكلمات ثقيلة. «لكن... كان والدي يتلقّى مكالمات في السنة الأخيرة لا يرد عليها أمامي. ويُغلق الباب.»
الباب السادس والستون
في اليوم الثالث، وجد كمال ما لم يكن يبحث عنه. كان يراجع سجلات الفندق حين لاحظ تفصيلاً صغيرًا غاب عن الجميع: إدوار مِشعل، مدير الفندق الأنيق، سجّل إجازة لنفسه في الأسبوع الذي سبق موت الحسيني — ثم ألغاها فجأة. وعاد إلى العمل في اليوم ذاته الذي قدم فيه الحسيني للمبيت.
ليس تزامنًا.
وحين فتشوا شقة إدوار، وجدوا في دُرج مكتبه ورقة بأرقام وتواريخ. تحويلات بنكية. صغيرة، منتظمة، ممتدة على سنوات. من حساب مجهول — إلى حساب إدوار. وعلى هامش الورقة، بخطّ مختلف: «آخر دفعة بعد الليلة.»
كان إدوار وسيطًا. لم يكن القاتل — بل من فتح الباب للقاتل، وأمّن السمّ وصولاً للكوب، ودفع الموظفَ الليلي ليذهب بعيدًا عشر دقائق.
والآمر الحقيقي؟
لم يُعثر عليه.
وقّع كمال ملف التحقيق بيد ثقيلة. قبض إدوار وبقي الملف مفتوحًا على صفحة فارغة — الصفحة التي تحمل اسمًا واحدًا، اسم الذي أعطى الأمر. في بعض القضايا، تكشف الجريمة وجه القاتل المُنفِّذ وتُخفي وجه العقل المُدبِّر خلف طبقات من المال والصمت والخوف.
في الليلة الأخيرة من شهر مارس، حين أغلق كمال ملف الحسيني للمرة الأخيرة، رنّ هاتفه مرة واحدة ثم صمت. رقم مجهول. لم يترك رسالة.
نظر كمال إلى الشاشة طويلًا، ثم أسند رأسه على مسند الكرسي وأغمض عينيه.
بعض القضايا لا تُحلّ. بعضها يُحلّ لكنه لا يُغلق. وبعضها — كقضية فندق الأندلس — يظلّ يطرق الباب في الثالثة صباحًا، حتى بعد أن ينتهي التحقيق.



تعليقات
إرسال تعليق