بغلة القبور | أسطورة مغربية مرعبة من قرية لمباك
بغلة
القبور
من أساطير لمباك — ما يمشي في الوديان والمقابر ليلًا ليس دائمًا من البشر
لمباك حين تنام
لمباك قرية لا تعرف النهار — تعرف الليل. حين تغيب الشمس خلف هضبات عين تاوجطات وتبتلع الأودية ضوءها الأخير، تُغلق الدور أبوابها قبل العشاء وتصمت الطرق صمتًا ليس كالصمت. صمت يسمع. صمت ثقيل كأن الأرض نفسها تحبس نفَسها.
في تلك الليلة من شتاء 2000، كان عبد السلام عائدًا من المدينة متأخرًا. الحافلة تركته على الطريق الرئيسية والقرية لا تزال على بُعد ثلاث كيلومترات عبر وادي عين بن كازة. ثلاث كيلومترات من الطين والأشجار الكثيفة والجداول التي تصير في الشتاء شيئًا آخر — شيئًا يتحرك في الظلام ويصدر أصواتًا تشبه الهمس.
أحكم جلباب صوفه. وبدأ يمشي.
«وادي عين بن كازة الذي يشق الطريق بين الطريق الرئيسية والقرية — لا يعبره أحد وحيدًا بعد المغرب. ليس خوفًا من الوحوش. بل خوفًا مما لا اسم له.»
الأشجار تضيق والهواء يتغير
كانت السماء في تلك الليلة بلا قمر — أو هكذا بدا. سحب ثقيلة تسدّ الأفق وريح باردة تقطع الوجه كشفرة. عبد السلام يعرف الطريق عن ظهر قلب — مشاه آلاف المرات منذ طفولته. لكن الطريق في النهار غير الطريق في هذا الليل.
بعد كيلومتر ونصف دخل منطقة الأشجار الكثيفة — عود الماء أو "مو سوالف" بالدارجة المغربية كما يسمّيها أهل القرية. أشجار عالية متشابكة الأغصان تصنع نفقًا طبيعيًا فوق الطريق. في النهار يكون ظليلًا ومريحًا. في هذا الليل كان كأن أحدًا أطفأ العالم.
توقف للحظة. أضاء هاتفه. الضوء الخافت أظهر له الطين أمامه والأغصان فوقه. ثم أضاء شيئًا آخر لم يكن ينتظره.
في نهاية الطريق — عند المنعطف الذي يكشف مقبرة القرية — كان هناك شخص واقف.
لم يكن يتنفس
فكّر عبد السلام في أن يناديه. ربما أحد الجيران. ربما مسافر مثله. لكن شيئًا في داخله — شيئًا قديمًا، أقدم من العقل، متجذرًا في كل من ولد في هذه القرية وسمع قصصها — ذلك الشيء قال له: لا تنادِ.
وقف دقيقة كاملة. الشخص لم يتحرك. لم يلتفت. لم يصدر منه أي صوت. لا حركة كتفين تدل على تنفس. لا تحريك قدم. واقف كالصخرة في منتصف الطريق المظلم وعلى مسافة خمسين مترًا من جدار المقبرة القديم المبني بالحجارة الرمادية.
قرر عبد السلام أن يمشي ببطء. إذا كان إنسانًا سيتحرك. إذا كان... الفكرة الثانية لم يكملها.
مشى خطوة. الشخص لم يتحرك.
خطوتان. لا شيء.
ثلاث خطوات. وفجأة — التفت.
لم يكن وجهًا.
أو ربما كان وجهًا لكن الظلام أخفى كل شيء.
ما رآه عبد السلام هو فقط:
عيون. عيون بيضاء. تلمع في الظلام.
كعيني بهيمة لا كعيني إنسان.
كلما أسرعت أسرعت خطواتها
ركض. لم يقرر أن يركض — جسده قرر. الهاتف سقط في الطين ولم يعد ليلتقطه. الظلام كامل والطريق تحت قدميه يُحسّ به لا يراه. والشيء — لم يعد يسميه شخصًا حتى في رأسه — كان خلفه.
لم يسمع خطوات بشرية. سمع شيئًا آخر. صوتًا ثقيلًا منتظمًا — وقع حوافر على الطين. بطيء. واثق. كأن ما يطارده لا يستعجل لأنه يعرف أنه سيلحق.
صرخ:
«شكون هداك؟ شكون تمَّا! شكون هادا؟»لا جواب. فقط الحوافر على الطين. تقترب.
التفت لثانية واحدة وهو يركض. رأى في الظلام شكلًا. كبيرًا. أكبر من إنسان. يمشي على أربع. ثم على اثنتين. ثم يميل ويتشكّل من جديد كأن الشكل لم يستقر بعد على ما يريده أن يكون.
«ماكنتش كنشوف والو. كنسمع غير صوت الحافر وأنا كنجري. وكل ما كنزيد نجري كنسمع الصوت كيزيد. ما كيبعدش. دايمًا نفس المسافة. بحال الا كايستناني نوقف.»
على مسافة كيلومتر من القرية سمع نداءً. صوت امرأة. بلهجة القرية بالضبط. تنادي باسمه:
«وااا عبد السلام! وااا عبد السلام عاود ليّا! خليتني هنا بوحدي!»توقف للحظة. الصوت صوت أمه. نفس النبرة. نفس الطريقة التي تنادي بها من النافذة حين يتأخر. لكن أمه — أمه ماتت منذ ثلاث سنوات.
حين رأى أضواء الدور
لم يتوقف. ركض وهو يتلو بصوت مرتجف كل ما يحفظه — آية الكرسي، الفاتحة، سورة الناس والفلق مرارًا. لسانه يسبق عقله. والصوت — صوت أمه الميتة — استمر ينادي خلفه بنفس الكلمات. «عاود ليّا. خليتني بوحدي.»
ثم رأى أضواء القرية.
أول ضوء من نافذة بيت الحاج بوجمعة. ثم أضواء الطريق الترابي. ثم صوت كلب يعوي. ثم كلب آخر. وفجأة — كل كلاب القرية في آنٍ واحد — في عواء جماعي ممزوج بشيء يشبه الخوف.
عند مدخل القرية — عند ملعب كرة القدم الذي يسمّيه أهل القرية الملعب لْكْبِيرْ — توقف الصوت. توقفت الحوافر. التفت عبد السلام.
لم يكن هناك شيء.
الطريق خلفه فارغ ومظلم وصامت كأن شيئًا لم يحدث أبدًا.
حين عاد في الصباح مع اثنين من أهل القرية ليبحثوا عن هاتفه —
وجدوه في الطين حيث سقط.
وحوله في الطين الرطب آثار.
ليست آثار حذاء.
وليست آثار حيوان يعرفونه.
آثار حوافر. كبيرة. عميقة.
تسير في خط مستقيم نحو الحجر الكبير.
ثم تختفي.
الحكمة القديمة
في اليوم التالي ذهب عبد السلام لشيخ القرية. الرجل الذي لا يُزعزعه شيء. سمع الحكاية كاملة دون أن يُقاطع. ثم قال ببطء وهو ينظر للأرض:
«راه شافتك وماخداتكش. هاد الشي ماكيوقعش بزّاف. راه كان عندك شي حاجة حافظاك، ولا... مزال ماجاش دورك.»سأله عبد السلام عن بغلة القبور. الشيخ رفع رأسه ونظر إليه:
«بغلة القبور ما كتطلبش. كتستنّى. واللي كيشوفها ويهرب — غالبًا كيرجع يجي عندها راسو. ماشي هي اللي كتجي عندو.»لم يفهم عبد السلام وقتها ماذا يعني. فهم بعد سنوات — حين بدأ يشعر في بعض الليالي برغبة غريبة لا يستطيع تفسيرها. رغبة في المشي. في اتجاه الوادي. في الساعة ذاتها من الليل.
عبد السلام اليوم يعيش في المدينة.
لم يعد لقرية لمباك إلا نادرًا.
وحين يعود لا يمشي في الطريق بعد المغرب.
وكلما سُئل عن السبب يقول:
«لي شاف ديك الحاجة تمَّا مايبغيش يشوفها مرة اخرى.»
وفي القرية — حتى اليوم —
لا أحد يعبر وادي عين بن كازة وحيدًا بعد العشاء.
والملعب لكبير عند مدخل القرية
لا يزال يحمل في رطوبة الشتاء
آثارًا لا يستطيع أحد تفسيرها.




تعليقات
إرسال تعليق