المحقق الذي كان يحقق في نفسه | قصة رعب وجريمة حصرية
المحقق الذي كان
يحقق في نفسه
أخطر القاتل هو من لا يعرف أنه قاتل
وجد نفسه أمام الجثة — لكن لا يتذكر كيف وصل
في صباح الاثنين السابع من مارس، استيقظ النقيب سامي الوهاب على رنين هاتفه. جريمة قتل في حي الياسمين. لبس ملابسه وخرج. وصل إلى مكان الجريمة وتفحّص المشهد بعينَي المحقق المحترف — الجثة، موضعها، الغرفة، التفاصيل. كتب ملاحظاته. تحدث مع الشهود. ثم لاحظ شيئًا أزعجه: حذاؤه كان مبللًا. ولا يتذكر أنه مشى في أي ماء.
سأل نفسه متى تبلّل الحذاء. لم يجد جوابًا. مشى من سيارته مباشرة إلى المبنى — الرصيف جاف. لا مياه في المشهد. لكن الحذاء مبلّل من الداخل والخارج. كأنه وقف طويلًا في بركة ماء قبل أن يأتي إلى هنا.
نظر إلى ساعته. التاسعة والنصف. رنّ الهاتف الساعة الثامنة وربع. المسافة من بيته خمس عشرة دقيقة. أين كان في الساعة والربع التي مرّت؟
دمه على يده — ولا يعرف من أين
الجريمة الثانية كانت في نفس الحي. ضحية ثانية بنفس الطريقة. وصل سامي بعد عشر دقائق من البلاغ. فحص الجثة. ثم رأى زميله الرائد فهد ينظر إلى يده اليمنى بطريقة غريبة. نظر سامي إلى يده. كان فيها أثر بني داكن تحت الأظافر.
خرج إلى الحمام وغسل يديه. الماء تلوّن. لم يكن وسخًا عاديًا.
عاد إلى مكان الجريمة وبقي حتى المساء يجمع الأدلة. في السيارة وحده، فتح دفتر ملاحظاته الشخصي — الدفتر الذي لا يطّلع عليه أحد. وفي آخر صفحة مكتوب شيء بخطه هو. كتابة يعرفها جيدًا. كُتبت في وقت ما لا يتذكره:
«الثانية كانت أصعب من الأولى.
لكنها كانت ضرورية.
لا يجب أن يعرفوا الرابط.
أنا سأجد الرابط — وسأخفيه.»
أغلق الدفتر. فتحه مرة أخرى. قرأ الكلمات ثلاث مرات. لم يتذكر كتابتها. لكن الخط خطه. والدفتر دفتره. ولا أحد غيره يمسّه.
في تلك الليلة لم ينَم. جلس أمام مرآة الحمام ونظر في عينيه طويلًا. يبحث عن شيء لا يعرف اسمه. ويخشى أن يجده.
الشاهد رآه هناك قبل الجريمة
«رأيته قبل الجريمة بساعة. واقف أمام باب الشقة. يرتدي معطفه الرمادي. ظننت أنه يزور أحدًا. لم أعرف أنه محقق إلا لاحقًا حين جاء مع فريقه. لكنه هو — أنا متأكد. وجهه. قامته. المعطف الرمادي الذي كان يرتديه في اليوم ذاته.»
قرأ سامي شهادة الجار في مكتبه ويده ترتجف. أخرج المعطف الرمادي من خزانته وفحصه. في جيبه الداخلي — مفتاح. مفتاح لا يعرفه. جرّبه على باب شقته — لا يفتح. جرّبه في مكتبه — لا يفتح. ثم بدون أن يفكر كثيرًا، قاده قدمه إلى عمارة الجريمة الثانية. وقف أمام باب الشقة المقفلة بشريط الشرطة. وضع المفتاح في القفل.
فتح.
«المريض يعاني من حالات تفارق وعيي متكررة. في هذه الحالات يتصرف بشكل كامل ومنطقي لكنه لا يحتفظ بأي ذاكرة عن الفترة. الخطير في حالته أن شخصيته البديلة تبدو واعية تمامًا وتعرف أنها مؤقتة — لذا تحرص على إخفاء آثارها. لم أُبلّغ الجهات الرسمية بناء على طلبه. وهذا — أدركت لاحقًا — كان خطأي الأكبر.»
وجد التقرير الذي كتبه لنفسه
في الليلة التي سبقت الجريمة الثالثة — قبلها بساعات — وجد سامي على مكتبه ورقة طوية. فتحها. كانت وثيقة كاملة. تقرير تحقيق مكتوب بدقة مهنية عالية — كل الأدلة، كل الروابط، كل ما عجز فريقه عن اكتشافه في أسابيع. التقرير يكشف هوية الجاني بالكامل. الدوافع. الطريقة. مكان الجريمة القادمة. وتوقيتها.
وفي أسفل التقرير، تحت خط سميك، جملة واحدة:
«اسم الجاني: سامي الوهّاب.
عنوانه: أنت تعرفه.
يجب أن تمنعه الليلة — إن كنت أنت من يقرأ هذا.»
نظر إلى الساعة. الحادية عشرة مساءً. في التقرير كُتب أن الجريمة الثالثة ستقع في منتصف الليل بالضبط. في الشقة 14 من نفس العمارة.
ركض. أخذ سيارته. وصل إلى العمارة. صعد إلى الطابق الثالث. الشقة 14. الباب موارب. دخل. الشقة فارغة. الأضواء مطفأة. ثم سمع صوتًا خلفه — خطوات. استدار.
لم يكن أحد.
ثم رنّ هاتفه. الرائد فهد. أجاب.
قال فهد بصوت خافت لا يشبه صوته المعتاد: «سامي. أين أنت الآن؟»
«في الشقة 14. عمارة الحي. جئت لأمنع الجريمة الثالثة.»
صمت طويل. ثم: «سامي — الجريمة الثالثة وقعت منذ ساعتين. نحن في المكان الآن. والشاهد رآك تخرج من هنا قبل ساعة بالضبط.»
وقف سامي في الظلام ويده على الهاتف وعقله يحاول أن يجمع شيئًا لا يتجمّع. وفجأة — لسبب لا يعرفه — نظر إلى يده اليسرى. كانت ترتجف. وفي راحتها، بقايا شيء. شيء بنيّ داكن تحت أظافره مرة أخرى.
أُوقف النقيب سامي الوهّاب في صباح اليوم التالي.
في جلسة الاستجواب لم ينكر ولم يعترف.
قال فقط: «أنا لا أعرف من فعل هذا.
لكنني أعرف أنه يعرفني جيدًا.»
الملف لا يزال مفتوحًا.




تعليقات
إرسال تعليق