الشخص المئة | قصة قاتل متسلسل من با محمد المغرب يتوب عند ضحيته الأخيرة
الشخص
المئة
من أرض قرية با محمد — حين تتوقف يد القاتل أمام عتبة التوبة
رجل لا يُعرف أصله
لم يكن أحد في قرية با محمد يعرف من أين جاء الجيلالي. جاء كما تجيء الريح — بلا مقدمة ولا سبب واضح. رجل في الخمسين أو يزيد، وجهه محفور بتجاعيد لا تدل على سنين بل على أحداث، وعيناه تحملان شيئًا لا اسم له. ليس الشر الصريح الذي تخافه حين تراه — بل شيء أعمق وأقدم. شيء يجعلك تتجنب نظرته دون أن تعرف لماذا.
اكترى دارًا في طرف القرية. وحيدة بين الأشجار. لا جيران قريبون. لا أسئلة طُرحت ولا أجوبة أُعطيت. القرية في تلك الحقبة كانت تعيش على الصمت — صمت الفقر والبعد والاتكال على الله. ولم يكن لدى أهلها وقت للفضول.
كانوا يعرفون شيئًا واحدًا عن الجيلالي: أنه حين يغيب عن القرية أيامًا ثم يعود — لا يتكلم. يجلس في دكّانه الصغير ويشرب أتاي ويحدق في الفراغ بعيون لا تنظر إلى ما أمامها. كأن ما يراه ليس هذه القرية.
الحقيقة التي حملها وحده
الحقيقة — كما ستُكشف لاحقًا — كانت أن الجيلالي كان يقتل. لا عشوائيًا ولا بدافع الجنون. كان يقتل بطريقة باردة ومنهجية تجعل الجنون أكثر رحمة منها. كان يختار ضحاياه من المسافرين والغرباء الذين لا أحد ينتظرهم. من يعبرون الطرق الجبلية وحيدين. من لا يُفقَد أحدهم فورًا.
سنوات طويلة. كل ضحية تُضاف إلى حساب داخلي لا يعرف به أحد. والجيلالي وحده يحتفظ بذلك الحساب في مكان ما من نفسه — في ذلك الجزء المظلم الذي لم يُضئه أحد منذ طفولته.
تسعة وتسعون ضحية. مدفونون في أماكن متفرقة. في واد، تحت حجر، خلف شجرة عجوز. الأرض في تلك المنطقة تعرف أسرارًا لا يعرفها البشر.
الشخص المئة
في ليلة شتائية من عام لا يذكر أحد رقمه بدقة، كان الجيلالي يسير في طريق جبلي حين صادف رجلًا. مسافر وحيد. عجوز نحيف يحمل بغلة محملة بضاعة. توقف الجيلالي في الظلام كما اعتاد. مدّ يده نحو السكين في حزامه. وفي تلك اللحظة — الثانية التي تسبق الفعل دائمًا — نظر إلى الرجل العجوز.
الرجل العجوز كان يصلي. واقفًا على الطريق الجبلي في الظلام والبرد يصلي بهدوء مطلق. كأن لا أحد في العالم سواه وربّه. لا خوف. لا قلق. وجهه مضيء بشيء لا تصنعه الشموع ولا النار.
توقفت يد الجيلالي.
توقفت ولم تتحرك.
ولأول مرة منذ عقود — شعر بشيء في صدره. ليس ندمًا بعد. أصغر من الندم وأشد إيلامًا. شعر بأنه يرى نفسه من الخارج. رجل في الظلام يمسك سكينًا. ووراءه تسعة وتسعون ثقبًا في الأرض. وأمامه رجل عجوز يصلي لا يعلم أنه على بعد ثوانٍ من الموت.
وضع السكين في الأرض.
جلس في الطريق.
وبكى.
لأول مرة منذ أن كان طفلًا — بكى.
والرجل العجوز حين أنهى صلاته التفت.
فوجد رجلًا يبكي في الظلام.
فجلس بجانبه. ولم يسأل.
حين اعترف بكل شيء
في الصباح ذهب الجيلالي لعالم في المدينة القريبة. رجل معروف بعلمه وهدوئه. دخل عليه وأغلق الباب. وقال ما لم يقله في حياته لأحد. قال الرقم. وقال الطريقة. وقال المكان. كل شيء. والعالم سمع كل شيء دون أن يتحرك.
حين انتهى الجيلالي سأله العالم سؤالًا واحدًا:
«هل تريد التوبة؟»
قال الجيلالي: «نعم.»
قال العالم: «اذهب من هذه البلاد إلى بلاد أخرى. وتب فيها. الأرض التي اقترفت فيها ذنبك ستظل تذكّرك. والذاكرة عدوة التوبة.»
غادر الجيلالي قرية با محمد في تلك الليلة. ولم يره أحد بعدها.
«رأيته يجلس خلفي في الطريق وأنا أصلي. سمعته حين جلس. لم أخف. شيء في قلبي قال لي أن هذا الرجل يحتاج شيئًا لا يملكه. حين التفتُّ وجدت عيونًا تبكي. لم أسأله عن شيء. جلستُ. وحين أضاء الفجر قليلًا رأيت السكين في الأرض. لم أمسّها. قمت ومشيت. ولم أتكلم عمّا رأيت إلا بعد سنوات حين مات الخوف.»
القرية التي لا تنسى
في قرية با محمد لا أحد يتكلم عن الجيلالي بالاسم. لكن الجميع يعرف القصة. الأمهات يروينها للأبناء لا لتخويفهم — بل لأنها تحمل شيئًا أكثر تعقيدًا من الخوف البسيط. تحمل سؤالًا لا جواب نهائيًا له: إذا كان الإنسان قادرًا على تسعة وتسعين — فلماذا وقف عند المئة؟
بعض الناس يقولون إن الشخص المئة كان وليًا من أولياء الله. وأن الله أرسله في تلك الليلة بالذات لأن وقت الجيلالي قد حان. بعضهم يقول إن الجيلالي كان يبحث دائمًا عن سبب للتوقف ولم يجده في التسعة والتسعين ووجده في المئة. وبعضهم لا يقول شيئًا — يصمت ويحدق في الأرض كأن الأرض نفسها تعرف الجواب.
«الجيلالي لم يكن مجنونًا. هذا أكثر شيء يزعجنا في قصته. القاتل المجنون يمكن تفسيره. لكن رجل عاقل هادئ يعيش بيننا ويبتسم ويشرب أتاي ويبيع في دكّانه — ويحمل تسعة وتسعين بداخله دون أن يُرى. هذا ما يجعلنا لا ننام.»
وفي قرية با محمد — حتى اليوم — حين يتأخر أحد في الطريق ليلًا يقولون له أهله عند عودته جملة واحدة لا تتغير:
«الأرض تعرف من يمشي عليها — وما يحمله.»
أما الأرض التي فيها التسعة والتسعون —
فلم يكشف الجيلالي عن أماكنها لأحد.
لا للعالم ولا للشرطة ولا لأهل القرية.
وحين سُئل العالم عن ذلك قال:
«سألته. قال: الأرض تعرف أين هم.
وحين يأتي وقتهم ستُخرجهم.»
وفي قرية با محمد — في كل موسم حراثة —
يتحاشى الفلاحون حراثة بعض البقع بالقرب من الجبل.
لا أحد يقول لماذا.
لكن أحدًا لا يقترب منها.




تعليقات
إرسال تعليق